ابن عطاء الله السكندري
131
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
في الاجتناب . الثالث أن يختلط حلال غير محصور بحرام غير محصور كحكم الأموال في زمننا فلا يحرم التداول ولا يجب الاقتصار على مقدار الضرورة ويحكم بالحل مطلقا إذا لم توجد أمارة معينة للحرام ويدل على أن ذلك حلال النقل والمعنى . أما النقل فما علم أن في زمن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين إذ كانت أثمان الخمور ودراهم الربا من أهل الذمة في أيدي الناس وما ترك الناس الأموال والشراء من الأسواق لسبب لذلك وكذلك أدرك أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم زمان الظلمة والولاة الغصاب وهم مستمرون على المعاملات ونهبت المدينة ثلاثة أيام نهبها أصحاب يزيد ومن أوجب ما لم يوجبه السلف أو زعم / ص 22 / أنه تفطن لوجه من الورع لم يتفطنوا له فهو موسوس أو جاهل مبتدع ، فإن قيل : ذلك معلوم في زمان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه ولكن كان ذلك الأقل ، وأما في زماننا هذا فهو الأكثر الأغلب ومن أين يلزم من القضاء بالأقل على التخفيف والمساهلة القضاء على الأكثر وقد صار الحرام أكثر لسبب كثرة الربا وفساد العقود وغلبة الغضوب ؟ فنقول : من أخذ مالا لم تشهده علامة معينة بأنه حرام لم يكن حراما ، وما ذكره المعترض من أن الغالب في زماننا حرام ليس الأمر كذلك فإن الحرام كثير وليس هو الأكثر وفرق بين الكثير والأكثر حتى نقول المرض كثير وليس بالأكثر بل الأكثر الصحة وليس كل ما ليس بنادر أكثر ، بل الأقسام ثلاثة : نادر وكثير وأكثر فالأكمه نادر والعمى كثير والأصحاء أكثر ، وكذا السفر بالإضافة إلى الإقامة حتى يقال السفر والمرض من الأعذار العامة والاستحاضة من الأعذار النادرة وليس المرض نادرا ولا هو الأكثر فالمعاملات الفاسدة وإن كانت كثيرة فليست هي الأكثر إذ أكثر العقود تقع على وفق الشرع وكذلك الظلمة إنما هم آحاد في الأمصار ، فإن زعم هذا القائل أن الكثرة تحصل من التوالد والأرباح فكما تحصل كثرة الحرام بتوالده فكذلك يكثر الحلال بتوالده فتكثر الفروع بكثرة الأصول ، وقد بينا أن أصول الحلال أكثر . وأما الأرباح ففيها كلام نذكره في الفصل الرابع وإن قدر مقدر محالا وصور كثرة الحرام وقلة الحلال فيرجع ذا إلى ما سبق ما من معارضة الأصل الغالب وقد بينا هذه القاعدة ونقلنا اختلاف العلماء فيها ونبهنا على الفرق بين ما تدعو الحاجة إليه وغيره ودللنا على وجوب الاعتماد على الأصل في مثل هذه الحالة بما فيه مقنع وكفاية على أن الحق أن الحرام في كل عصر قليل بالإضافة إلى الحلال .